جمال الدين بن نباتة المصري

250

سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون

من أن يكون لي عليك ، ولأن أسيء فتحسن أحسن في الأحدوثة عنك من أن أحسن فتسيء ، ولأن تعفو عنّى في حال قدرتك ، أجمل يك من الانتقام منّى . فقال ابن أبي دواد : قبّحك اللّه ! فو اللّه ما علمتك إلّا كثير تزويق اللسان ؛ يا غلام ، سر به إلى الحمّام ، فأدخل الحمام ، وحمل إليه تخت من ثياب فاخرة ، ولبس ذلك ، وأتاه فصدّره في مجلسه ، ثم أقبل عليه فقال : هات الآن أحاديثك يا أبا عثمان ! ولم يزل عزيز الجانب ، موفور المال والجاه ، من مبتدأ أمره إلى أن مات سنة خمس وخمسين ومائتين ، وبعد أن بلغ أكثر من تسعين سنة . وله أخبار ظريفة كثيرة ، ونثر طائل ، ونظم ضعيف . فمن أخباره ونوادره ، قال : أتيت منزل صديق لي ، فطرقت الباب ، فخرجت إلىّ جارية سنديّة ، فقلت : قولي لسيّدك : الجاحظ بالباب ، فقالت : أقول : « الجاحد بالباب » ؟ على لغتها ، فقلت : لا ، قولي : الحدقىّ ، فقالت أقول : « الحلقىّ » ؟ فقلت : لا تقولي شيئا ، ورجعت . وقال : ما أخجلنى أحد مثل امرأتين ، رأيت إحداهما في العسكر « 1 » وكانت طويلة القامة ، وكنت على طعام ، فأردت أن أمازحها فقلت : انزلى كلى معنا ، فقالت : اصعد أنت حتى ترى الدنيا . وأمّا الأخرى فإنّها أتتني وأنا على باب دارى ، فقالت : لي إليك حاجة ، وأريد أن تمشى معي ، فقمت معها إلى أن أتت بي إلى صائغ يهودىّ ، فقالت له : مثل هذا ، وانصرفت ! فسألت الصائغ عن قولها فقال : إنّها أتت إلىّ بفصّ ، وأمرتني أن أنقش لها عليه صورة شيطان ، فقلت : يا ستّى ، ما رأيت الشيطان ! فأتت بك ، [ وقالت : ما سمعت ] « 2 » .

--> ( 1 ) العسكر : اسم مكان في سامرا ؛ كان مصيفا للخلفاء العباسيين . ( 2 ) من ط .